السيد علي الموسوي الدارابي

58

نصوص في علوم القرآن

وهذا الجواب إنّما هرب متكلّفه من شيء ، وظنّ أنّه قد اعتصم بجوابه عنه ، وهو بعد ثابت على ما كان عليه ؛ لأنّ قوله : الْقُرْآنُ إذا كان يقتضي ظاهره إنزال جميع القرآن فيجب على هذا الجواب أن يكون قد أنزل في فرض الصّيام جميع القرآن ، ونحن نعلم أنّ قليلا من القرآن يتضمّن إيجاب صوم شهر رمضان ، وأنّ أكثره خال من ذلك . فإن قيل : المراد بذلك أنّه أنزل في فرضه شيئا من القرآن ، وبعضا منه . قيل : فألّا اقتصر على هذا ، وحمل الكلام على أنّه تعالى أنزل شيئا من القرآن في شهر رمضان ولم يحتجّ إلى أن يجعل لفظة فِيهِ بمعنى في فرضه وإيجاب صومه . والجواب الصّحيح ، أنّ قوله تعالى : الْقُرْآنُ في هذا الموضع لا يفيد العموم والاستغراق ، وإنّما يفيد الجنس من غير معنى الاستغراق ، فكأنّه قال : شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ هذا الجنس من الكلام ، فأيّ شيء نزل منه في الشّهر فقد طابق الظّاهر . وليس لأحد أن يقول : إنّ الألف واللّام هاهنا لا يكونان إلّا للعموم والاستغراق ؛ لأنّا لو سلّمنا أنّ الألف واللّام صيغة العموم والصّورة المقتضية لاستغراق الجنس لم يجب أن يكون هاهنا بهذه الصّفة ؛ لأنّ هذه اللّفظة قد تستعمل في مواضع كثيرة من الكلام ولا يراد بها أكثر من الإشارة إلى الجنس والطّبقة من غير استغراق وعموم ، حتّى يكون حمل كلام المتكلّم بها على خصوص أو عموم ، كالنّاقض لغرضه والمنافي لمراده ، ألا ترى أنّ القائل إذا قال : فلان يأكل اللّحم ، ويشرب الخمر ، وضرب الأمير اليوم اللّصوص ، وخاطب الجند ، لم يفهم من كلامه إلّا محض الجنس والطّبقة من غير معنى خصوص ولا عموم ، حتّى لو قيل له : فلان يأكل جميع اللّحم ، ويشرب جميع الخمر أو بعضها ، لكان جوابه : إنّني لم أرد عموما ولا خصوصا ، إنّما أريد أنّه يأكل هذا الجنس من الطّعام ، ويشرب هذا الجنس من الشّراب ، فمن فهم من كلامي العموم أو الخصوص فهو بعيد من فهم مرادي . وأرى كثيرا من النّاس يغلطون في هذا الموضع ، فيظنّون أنّ الإشارة إلى الجنس من غير إرادة العموم والاستغراق ليست مفهومة ، حتّى يحملوا قول من قال : أردت الجنس في كلّ موضع على العموم ، وهذا بعيد ممّن يظنّه ؛ لأنّه كما أنّ العموم والخصوص مفهومان في بعض المواضع بهذه الألفاظ فكذلك الإشارة إلى الجنس والطّبقة من غير إرادة عموم ولا